عبد الرحمن بن أحمد الحنبلي البغدادي الدمشقي

594

مجموع رسائل الحافظ ابن رجب الحنبلي

فقد يقال : فقد أخرجتم منفعة بعضها عن ملكه بتزويجها ؛ لأنا نقول : ملك بضع الأمة للسيد ليس هو كملك الزوج لبضع زوجته ؛ لأنّ بضع الزوجة يملكه الزوج للاستمتاع به بنفسه خاصة ، فلا يجوز لغيره مشاركته فيه إلا بعد انقطاع علق الزوج عنه ، وأما بضع الأمة فمملوك للسيد لا عَلَى طريق الانتفاع به بنفسه خاصة ، بل ينتفع به بنفسه وتارة يعارض عليه ، ولهذا يجوز له أن يتملك من يحرم عليه وطؤها عَلَى التأبيد . فظهر بهذا أن ملك الإماء ليس موضوعًا للاستمتاع بخلاف النكاح ، وقد قرر أصحابنا هذا الفرق في مواضع متعددة من كتب الفقه . وحينئذ فنقول : لا يجوز إلحاق الأمة ببضع الزوجة في هذا الموضع ، ويدل عليه أن الأمة لو طلبت من السيد تزويجها ، عند امتناعه من الوطء ، وتعذر عليه شرعًا أو حسّا أجبر عَلَى تزويجها بخلاف الزوجة . فظهر من هذا أن وجوب تزويج الأمة إِنَّمَا هو من باب إزالة ضررها لا غير ، مع بقاء ملكها وملك بضعها عليه ، وهذا أوسع من فسخ نكاح الحرة ، فيجوز تزويج الأمة في حال لا يجوز تزويج الزوجة فيه ، فإن الأمة لا يجوز منعها من نكاح عند طلبه ، كما لا يجوز منعها من النفقة والكسوة عند الحاجة . وأما الزوجة فإنها - وإن كان يجب لها عَلَى الزوج حق الوطء - لكن لا يمكنها استيفاءه بالأمة خاصة ، فَإِذَا لم يجز فسخ نكاحه فقد تعذر استيفاء هذا الحق منه ، بخلاف الأمة ؛ فإنه يجب إزالة ضررها بالنكاح مع حضور السيد ، ويمكنه منه إذا تعذر حصول الوطء منه ، ولا يعتبر امتناعه من ذلك كما لو كان السيد صبيًّا أو مجنونًا كما صرح به القاضي فيما تقدم ، والله أعلم . ومما يبين ما بين الأمة والزوجة في هذا أن الزوجة لا تملك فسخ نكاح زوجها بطول مرضه وامتناعه من الوطء ، فكذلك لا تملكه بغيبته ، بخلاف الأمة ؛ فإنها تطالب السيد بالتزويج عند تعذر استمتاعه بها لمرض وغيره ، فكذا تطالب به مع غيبته ، والله أعلم .